عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
188
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
من غذائنا ؟ قال نعم : قال : وما هو ؟ قال نيف وثمانون قدرا ، قال : فائتني بها قدرا قدرا . فأتاه بها وبقناع عليه رقاق . فأكثر ما أكل من قدر ثلاث لقم ، وأقل ما أكل لقمة ، ثم مسح يده ، واستلقى على فراشه ، وأذن للناس ووضعت الخوانات « 1 » فجعل يأكل مع الناس « 2 » وروي أنه شوي لجعفر بن سليمان الهاشمي دجاج ففقد فخذا من دجاجة فأمر فنودي في داره : من هذا الذي تعاطى فعقر ، واللّه لا أخبز في هذا التنور شهرا أو يرد ، فقال ابنه الأكبر : أتؤاخذنا بما فعل السفهاء منها « 3 » . ومع ما عرف من نهم معاوية وشره سليمان ، حتى لتروي كتب التاريخ أن كليهما قد ماتا متخومين . فإن هذه الأخبار يجب أن لا نقبلها بسهولة ويسر ، لأن المبالغة فيها واضحة وضوح الشمس ، ومما لا شك فيه أن أعداء الخليفتين قد أضفوا على شخصيتهما هذه الصفات ليشوّهوا من صورتهما ووجهيهما المشرقين في التاريخ . ما قيل في ذم الشره : ولعلّ من هذا القبيل أيضا ما روي عن الحجاج بن يوسف من « أنّه أكل أربعا وثمانين لقمة ، في كل لقمة رغيف من خبز الماء ، فيه ملء كفه سمك طري « 4 » » . ومنه أيضا ما روي عن عبيد اللّه بن زياد من « أنه يأكل كل يوم أربع جرادق أصبهانية وجبنا قبل غدائه « 5 » » . ولعل هذا الشره لم يقتصر على الخاصة فقط بل أصبح عاما بين الناس إلى درجة جعلت الشعراء ينوّهون بهذه العادة الذميمة : ويهجون أصحابها ، ويصفون سلوكهم من ذلك ما قاله جرير في هجاء قوم أكلة محللا نفسياتهم بحذق وبراعة : وبنو الهجيم سخيفة أحلامهم * ثط اللّحى متشابهو الألوان « 6 » لو يسمعون بأكلة أو شربة * بعمان أصبح جمعهم بعمان
--> ( 1 ) الخوان أو الخوان : بالضم والكسر ج أخونه وخون : ما يوضع عليه الطعام للاكل وتسمية العامة السفرة ( فارسية ) . ( 2 ) العقد الفريد : ج 6 - ص 301 . ( 3 ) عيون الأخبار : ج 3 - ص : 247 . ( 4 ) المصدر نفسه . « خبز الماء » هكذا وردت والصواب « خبز الملة » . ( 5 ) المصدر نفسه . « خبز الماء » هكذا وردت والصواب « خبز الملة » . ( 6 ) ثط : ج أثط والأثط قليل شعر اللحية . صعر الأنوف : ميلها ، وهي من الصعر . وصعر خده : أماله صلفا .